أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
83
العقد الفريد
يهمي - أي يسيل - فعصبه ، وكتفه - يعني عبد يغوث - ثم أردفه خلفه ، فنزفه الدم ، فمال عن فرسه مقلوبا . فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه ، وذلك أول النهار ، ثم ظفر به بعد في آخره . ونادى مناد قتل اليزيدون . وشد قبيضة بن ضرار الضبي على ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخرّ صريعا ، فقال له قبيصة : ألا أخبرك تابعك بمصرعك اليوم ! وأسر عبد يغوث ، وأسره عصمة بن أبير التيمي . قال أبو عبيدة : انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد وقد أمعنوا في الطلب ، فوجده صريعا ، وقد كان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا في يديه ، فعرف أنه هو الذي اجهز عليه ، فاقتص أثره ، فلما لحقه قال له : ويحك ! إني رجل أحب اللين ، وأنا خير لك من الفلاة والعطش ! قال عبد يغوث : ومن أنت ؟ قال : عصمة بن أبير . قال عبيد يغوث : أو عندك منعة ؟ قال : نعم ، فألقى يده في يده ، فانطلق به عصمة حتى خبأه عند الاهتم ، على أن جعل له من فداه جعلا « 1 » فوضعه الاهتم عند امرأته العبشمية « 2 » ، فأعجبها جماله وكمال خلقه ، وكان عصمة الذي أسره غلاما نحيفا ، فقالت لعبد يغوث : من أنت ؟ قال : انا سيّد القوم ! فضحكت ، وقالت : قبحك اللّه سيد قوم حين أسرك مثل هذا . ولذلك يقول عبد يغوث : وتضحك مني شيخة عبشميّة * كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا فاجتمعت الرباب إلى الاهتم فقالت : ثأرنا عندك ، وقد قتل مصاد والنعمان ، فأخرجه إلينا ! فأبى الاهتم ان يخرجه إليهم ، فكاد ان يكون بين الحيين : الرباب وسعد ، فتنة ، حتى أقبل قيس بن عاصم المنقري ، فقال : أيؤتى قطع حلف الربّاب من قبلنا ؟ وضرب فمه بقوس فهتمه « 3 » فسمّي الأهتم ، فقال الاهتم : انما دفعه إليّ عصمة ابن أبير ، ولا أدفعه إلا لمن دفعه إليّ ، فليجئ فيأخذه . فأتوا عصمة فقالوا : يا
--> ( 1 ) الجعل : جمع جعال ، وهو ما جعل على العمل من أجر . ( 2 ) العبشمية : من بني عبد شمس . ( 3 ) الأهتم : الذي تكسرت ثناياه من أصلها .